الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
115
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
والترفهّ وما يخرجه ذلك إليه ( 1 ) . « فانظر إلى الشمس » فيه : فكّر يا مفضل ، في طلوع الشمس وغروبها لإقامة دولتي النهار والليل ، فلولا طلوعها لبطل أمر العالم كلهّ ، فلم يكن الناس يسعون في معائشهم ويتفرّقون في أمورهم والدنيا مظلمة عليهم ، ولم يكونوا يتهنّون بالعيش مع فقدهم لذّة النور وروحه ، والإرب في طلوعها ظاهر مستغن بظهوره عن الإطناب في ذكره والزيادة في شرحه . بل تأمل المنفعة في غروبها فلولا غروبها لم يكن للناس هدء ولا قرار مع عظيم حاجتهم إلى الهدء والراحة لسكون أبدانهم وجموم حواسهم ، وانبعاث القوة الهاضمة لهظم الطعام ، وتنفيذ الغذاء إلى الأعضاء . ثم كان الحرص يستحملهم من مداومة العمل ومطاولته على ما يعظم نكايته في أبدانهم ، فان كثيرا من الناس لولا جثوم هذا الليل بظلمته عليهم لم يكن لهم هدء ولا قرار ، حرصا على الكسب والجمع والادّخار . ثم كانت الأرض تستحم بدوام الشمس بضيائها ويحمى كلّ ما عليها من حيوان ونبات ، فقدرها اللّه بحكمته وتدبيره تطلع وقتا وتغرب وقتا ، بمنزلة سراج يرفع لأهل البيت تارة ليقضوا حوائجهم ثم يغيب عنهم مثل ذلك ليهدءوا ويقرّوا ، فصار النور والظلمة مع تضادّهما منقادين متظاهرين على ما فيه صلاح العالم وقوامه . ثم فكّر بعد هذا في ارتفاع الشمس وانحطاطها ، لإقامة هذه الأزمنة الأربعة من السنة ، وما في ذلك من التدبير والمصلحة ، ففي الشتاء تعود الحرارة في الشجر والنبات فيتولد فيهما مواد الثمار ، ويتكثّف الهواء فينشأ منه السحاب والمطر ، ويشتدّ أبدان الحيوان وتقوى ، وفي الربيع تتحرّك
--> ( 1 ) توحيد المفضل : 87 ، والنقل بتصرف يسير .